أحمد مطلوب
88
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
قوله تعالى : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 1 » ، وقوله : فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ « 2 » . وقول البحتري . يؤدّون التحية من بعيد * إلى قمر من الإيوان باد فقد شبه ممدوحه بالقمر ، ومنه تشبيه المتنبي ممدوحه بالشمس في قوله : أحبّك يا شمس الزمان وبدره * وإن لامني فيك السّها والفراقد الاستعارة بالكناية : وتسمى المكني عنها أو المكنية وهي التي اختفى فيها لفظ المشبه واكتفى بذكر شيء من لوازمه دليلا عليه كقول أبي ذؤيب الهذلي : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع شبّه المنية بالسّبع في اغتيال النفوس وحذف المشبه به وهو السبع وأبقى شيئا من لوازمه وهي الأظفار التي لا يكمل الاغتيال إلا بها . ومنها قول دعبل الخزاعي : لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى شبّه المشيب بانسان وحذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو الضحك على سبيل الاستعارة . وهذا النوع من الاستعارة مقابل للاستعارة التصريحية وهما من تقسيم هذا الفن بحسب الطرفين : المشبه والمشبه به فتارة يحذف المشبه فتكون الاستعارة تصريحية وتارة يحذف المشبه به فتكون مكنية . وكان عبد القاهر قد أشار إلى هذين القسمين وإن لم يسمهما كذلك بل قال عن التصريحية : « أن تنقله - أي الاسم - عن مسماه الأصلي إلى شي آخر ثابت معلوم فتجريه عليه وتجعله متناولا له تناول الصفة للموصوف » « 3 » . ومثّل له بقوله : « رأيت أسدا » أي رجلا شجاعا ، وقولهم : « عنّت لنا ظبية » أي امرأة ، وقوله : « أبديت نورا » أي هدى . فالاسم في هذه الأمثلة متناول شيئا معلوما يمكن أن ينص عليه فيقال إنّه عنى بالاسم وكنى به عن مسماه الأصلي فجعل اسما على سبيل الإعارة والمبالغة في التشبيه . وقال عن المكنية : « أن يؤخذ الاسم من حقيقته ويوضع موضعا لا يبين فيه شيء يشار اليه فيقال هذا هو المراد بالاسم والذي استعير له وجعل خليفة لاسمه ونائبا منابه » « 4 » . ومثّل له بقول لبيد : وغداة ريح قد كشفت وقرّة * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها وذلك أنّه جعل للشمال يدا ، ومعلوم أنّه ليس هناك مشار اليه يمكن أن تجري عليه كاجراء الأسد على الرجل . وفرّق بين القسمين بقوله : « إنك إذا رجعت في القسم الأول إلى التشبيه الذي هو المغزى من كل استعارة تفيد وجدته يأتيك عفوا كقولك في « رأيت أسدا » : رأيت رجلا كالأسد ، أو رأيت مثل الأسد ، أو شبيها بالأسد . وإن رمته في القسم الثاني وجدته لا يواتيك إذ لا وجه لأن تقول : « إذ أصبح شيء مثل اليد للشمال » أو « حصل شبيه باليد للشمال » . وانما يتراءى لك التشبيه بعد أن تخرق اليه سترا وتعمل تأملا وفكرا ، وبعد أن تغيّر الطريقة وتخرج عن الحد الأول كقولك : « إذ أصبحت الشمال ولها في قوة تأثيرها في
--> - معترك ج 1 ص 280 ، شرح عقود الجمان ص 95 ، الأطول ج 2 ص 136 . أنوار الربيع ج 1 ص 246 ، مواهب الفتاح ج 4 ص 108 . ( 1 ) إبراهيم 1 . ( 2 ) الشعراء 225 . ( 3 ) أسرار البلاغة ص 42 . ( 4 ) أسرار البلاغة ص 42 .